ابن الجوزي

133

صفة الصفوة

فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت قد زوّرت مقالة « 1 » أعجبتني أريد أن أقولها بين يدي أبي بكر وكنت أداري منه بعض الحد ، وهو كان أحلم مني وأوقر فقال أبو بكر : على رسلك . فكرهت أن أغضبه واللّه ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته وأفضل حتى سكت . فقال : أما بعد فما ذا ذكرتم من خير فأنتم أهله ، ولم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ، هم أوسط العرب نسبا ودارا ، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أيّهما شئتم . وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح فلم أكره مما قال غيرها وكان واللّه أن أقدّم فتضرب عنقي ، لا يقرّبني ذلك إلى إثم ، أحبّ إليّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر إلا أن تغير نفسي عند الموت . فقال قائل من الأنصار : أنا جذيلها « 2 » المحكّك وعذيقها « 3 » المرجّب « 4 » ، منا أمير ومنكم أمير ، فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى خشيت الاختلاف ، فقلت : أبسط يديك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار - ( رواه الإمام أحمد ) - . وعن إبراهيم التّيمي « 5 » قال : لما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أتى عمر أبا عبيدة بن الجراح فقال : أبسط يدك فلأبايعك ، فإنك أمين هذه الأمة على لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال أبو عبيدة بن الجراح لعمر : ما رأيت لك فهّة « 6 » مثلها منذ أسلمت ، أتبايعني وفيكم الصديق وثاني اثنين ! . وعن الحسن ، قال : قال علي عليه السلام : لما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي صلّى اللّه عليه وسلم قد قدّم أبا بكر في الصلاة فرضينا لدنيانا من رضي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لديننا ، فقدّمنا أبا بكر .

--> ( 1 ) زورت مقالة : من زور الشيء تزويرا أي حسنه وقومه . ( انظر مختار الصحاح ص 278 ) . ( 2 ) الجذيل : تصغير جذل ، أي العود الذي ينصب للإبل لتحتك به . ( 3 ) العذيق : تصغير عذق أي النخلة . ( 4 ) المرجب : أي المعظم الذي يستشفي برأيه . ( 5 ) هو إبراهيم بن يزيد التيمي الكوفي العابد المشهور ، روى عن عمرو بن ميمون الأودي وجماعة ، قتله الحجاج سنة اثنين وتسعين للهجرة ولم يبلغ الأربعين من عمره . ( 6 ) الفهة : السقطة والجهلة .